مختصرٌ من حياة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) PDF طباعة البريد الإلكترونى

ولد(عليه السلام) بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، وكانت ولادته في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلةً خلت من رجب ، في البيت الحرام الذي جعله الله قبلةً للأنام .

وقال علي بن محمّد المالكي : ولم يولد في البيت الحرام قبله أحدٌ سواه ، وهي فضيلة خصّه الله تعالى بها إجلالاً له ، وإعلاماً لمرتبته ، وإظهاراً لتكرمته(۱) .

وقبض(عليه السلام) في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، وله يومئذ ثلاث وستّون سنة . وروى في الكافي «لمّا كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين ، ارتجّ الموضع بالبكاء ، ودهش الناس كيوم قبض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجاء رجل باكياً وهو مسرع مسترجع ، وهو يقول : اليوم انقطعت خلافة النبوّة حتّى وقف على باب البيت الذي فيه أميرالمؤمنين(عليه السلام) ، فقال :

رحمك الله يا أبا الحسن ، كنت أوّل القوم إسلاماً ، وأخلصهم إيماناً ، وأشدّهم يقيناً ، وأخوفهم لله ، وأعظمهم عناءً ، وأحوطهم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وآمنهم على أصحابه ، وأفضلهم مناقب ، وأكرمهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أشبههم به هدياً وخُلقاً وسمتاً وفعلاً ، وأشرفهم منزلةً ، وأكرمهم عليه ، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً .

قويت حين ضعف أصحابه ، وبرزت حين استكانوا ، ونهضت حين وهنوا ، ولزمت منهاج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ همَّ أصحابه ، ] و [ كنت خليفته حقّاً ، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين وغيض الكافرين وكره الحاسدين ، وصغر ] ضغن  [الفاسقين ، فقمت بالأمر حين فشلوا ، ونطقت حين تتعتعوا ، ومضيت بنور الله إذا ] إذ [ وقفوا ، فاتّبعوك فهدوا ، وكنت أخفضهم صوتاً ، وأعلاهم قنوتاً ، وأقلّهم كلاماً ، وأصوبهم نطقاً ، وأكبرهم رأياً ، وأشجعهم قلباً ، وأشدّهم يقيناً ، وأحسنهم عملاً ، وأعرفهم بالأمور .

كنت والله يعسوباً للدين أوّلاً وآخراً ، الأوّل حين تفرّق الناس ، والآخر حين فشلوا ، كنت للمؤمنين أباً رحيماً إذ صاروا عليك عيالاً ، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ، وحفظت ما أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ، وشمّرت إذ ] إذا [ اجتمعوا ، وعلوت إذ هلعوا ، وصبرت إذ أسرعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا .

كنت على الكافرين عذاباً صبّاً ونهباً ، وللمؤمنين عَمَداً وحصناً ، فطرت والله بنعمائها ، وفزت بحبائها ، وأحرزت سوابقها ، وذهبت بفضائلها ، لم تفلل حجّتك ، ولم يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ولم تخر ] ولم تخل [ .

كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ، وكنت كما قال أمن الناس في صحبتك وذات يدك ، وكنت كما قال ضعيفاً في بدنك ، قويّاً في أمر الله ، متواضعاً في نفسك ، عظيماً عند الله ، كبيراً في الأرض ، جليلاً عند المؤمنين .

لم يكن لأحد فيك مهمز ، ولا لقائل فيك مغمز ، ] ولا لأحد فيك مطمع  [ولا لأحد عندك هوادة ، الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتّى تأخذ له بحقّه ، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحقّ ، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء ، شأنك الحقّ والصدق والرفق ، وقولك حكم وحتم ، وأمرك حلم وحزم ، ورأيك علم وعزم فيما فعلت ، وقد نهج السبيل ، وسهل العسير ، وأطفئت النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوي بك الإسلام فظهر أمر الله ولو كره الكافرون ، وثبت بك الإسلام والمؤمنون ، وسبقت سبقاً بعيداً ، وأتعبت من بعدك تعباً شديداً ، فجللت عن البكاء ، وعظمت رزيّتك في السماء ، وهدّت مصيبتك الأنام ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، رضينا عن الله قضاه وسلّمنا لله أمره ، فوالله لن يصاب المسلمون بمثلك أبداً .

كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً ، وقنةً راسياً ، وعلى الكافرين غلظة وغيظاً ، فألحقك الله بنبيّه ، ولا أحرمنا أجرك ، ولا أضلّنا بعدك .

وسكت القوم حتّى انقضى كلامه ، وبكى وبكى أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ طلبوه فلم يصادفوه(۲) .

وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال : لمّا قبض أمير المؤمنين قام الحسن بن علي(عليهما السلام) في مسجد الكوفة ، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال :

أيّها الناس إنه قد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون ، إنه كان لصاحب راية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، عن يمينه جبرئيل ، وعن يساره ميكائيل ، لا ينثني حتّى يفتح الله له ، والله ما ترك بيضاء ولا حمراء إلاّ سبع مئة درهم فضلت عن عطائه ، أراد أن يشتري بها خادماً لأهله ، والله لقد قبض في الليلة التي فيها قبض وصيّ موسى يوشع بن نون ، والليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم ، والليلة التي نزل فيها القرآن(۳) .

عبادته(عليه السلام)

كان(عليه السلام) أعبد أهل زمانه ، وقد دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية ، فقال له : صِف لي عليّاً ، فقال : أوَتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال : لا أعفيك ، قال :

أمّا إذا لابدّ، فإنه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدُّنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا نكلِّمه هيبةً له ، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظِّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله .

فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، يميل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه الآن ، وهو يقول : ياربّنا ، ياربّنا ، يتضرّع إليه ، ثمّ يقول للدُّنيا : إليّ تغرّرت ، إليّ تشوّقتِ ؟! هيهات! هيهات! غرّي غيري ، قد أبنتك ثلاثاً ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير ، آه آه! من قلّة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق .

فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمّه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا كان أبوالحسن رحمه الله(۴) .

ودخل أبو جعفر(عليه السلام) على أبيه(عليه السلام) فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، وورم ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، قال أبو جعفر(عليه السلام): فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمةً له، وإذا هو يفكّر، فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي، وقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب، فأعطيته فقرأ منها شيئاً يسيراً ، ثمّ تركها من يده تضجّراً ، وقال : من يقوى على عبادة عليّ (عليه السلام)(۵) ؟!

شجاعته(عليه السلام)

شجاعته(عليه السلام) أظهر من الشمس ، هو الذي قتل في بدر ستة وثلاثين من أبطال المشركين ،(۶) وأخذ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من يده قبضة من حصباء الوادي ورمى بها في وجوه المشركين ، وقال : شاهت الوجوه ، فنزلت (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)(۷) فأخذ الحصباء من يد علي ، ونفي الله الرمي عن رسوله ، وإثباته لنفسه، يكفي لبيان منزلة عليّ (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(۸) .

وهو الذي نودي في غزوة أحد بحصر الفتوة في شخصيته «لا فتى إلاّ علي لا سيف إلاّ ذو الفقار»(۹) وهو الذي بمبارزته في غزوة الخندق برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه ، وكفى في فضل مبارزته أنّها أفضل من أعمال الأمّة إلى يوم القيامة(۱۰) ، وبما أنّ هذه الأمّة خير أمّة أخرجت للناس ، فالعمل الأفضل من أعمال هذه الأمّة أفضل من أعمال جميع الأمم .

وهو الذي فتح خيبر بعدما رجع الأوّل والثاني خائبين ، فقال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) : لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ليس بفرّار(۱۱) ، فظهر للناس تفسير قوله تعالى : (فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم)(۱۲) وقلع الباب الذي يقلعه عشرون رجلاً وينقله سبعون ، وقد اعترف المخالف والمؤالف بأنّ قلعه لم يكن ممكناً بالقوّة الجسدانية(۱۳) .

قال الفخر الرازي : وذلك لأنّ علياً كرّم الله وجهه في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد ، وأشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء ، فتقوّى روحه وتشبّه بجواهر الأرواح الملكية ، وتطلّعت فيه أضواء عالم القدس والعظمة ، فلا جرم حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره(۱۴) .

وهو الذي بات على فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مبيتاً ينبئ عن علوّ شأنه ، فقام جبرئيل وهو ناموس الوحي والعلم عند رأسه، وميكائيل وهو خازن الأرزاق عند رجليه ، ونادى جبرئيل: بخ بخ مَنْ مثلك ياابن أبي طالب ، يباهي الله بك ] به  [الملائكة(۱۵) ، وأنزل الله سبحانه : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)(۱۶).

هذه شجاعته الصغرى ، وأمّا شجاعته الكبرى في غلبته النفس والهوى فجفّ عنها القلم ، وكَلَّ عنها البيان !

كرمه(عليه السلام)

هو الذي كان يملك كنوز قيصر وكسرى ، وخزائن البلاد ، وكان إفطاره على خبز الشعير والملح(۱۷) ، وكان يستقي بيده لنخل قوم من اليهود ، ثمّ يتصدّق بالأجرة، ويشدّ على بطنه حجراً(۱۸) .

وهو الذي ملك أربعة دراهم ، فأنفق واحداً منها ليلاً ، وآخر نهاراً ، وواحداً سرّاً ، وآخر علانيةً ، فنزل في شأنه : (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً)(۱۹) .

فصاحته وبلاغته(عليه السلام)

تجلّت فصاحته وبلاغته في خطبه وكتبه وكلماته القصار، وفي الأدعية المأثورة عنه ، وقد عجز أساطين الحكمة وأعلام الفصاحة عن الإتيان بمثلها في فنون الكلام ، مادّةً وهيئة .

*

فالأمر يدور بين أن يقوم مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الجامع للمقامات المذكورة أو فاقدها ، فإن كان الأوّل فقد تحقّق قوله تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ)(۲۰) وتجلّى قوله تعالى : (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا* وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا)(۲۱).

وإن كان الثاني فقد استخلفت الظلمات للنور ، واستبدلت الهداية بالضلال (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاَْعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)(۲۲) فلا يحتاج إثبات خلافة علىّ(عليه السلام) للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ونفيها عن غيره، إلى إقامة الدليل والبرهان .

**

قد تقدّم في مبحث الإمامة وجوه لإثبات إمامة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وخلافته بلا فصل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونذكر هنا ما يستفاد منه وجوه أخرى :

هنا قضيّتان : ثبوت خلافته(عليه السلام) للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونفيها عن غيره ، والقضيتان لكلّ مسلم من القضايا التي لا تحتاج إلى الاستدلال ، وإنّما الحاجة إلى تذكّر أمور يستلزم تصوّرها التصديق بهما إيجاباً وسلباً:

الأوّل : إنّ الخليفة خَلَف للمستخلف عنه ، يقوم مقامه ، والبدل من كلّ شيء خلف منه ، وحقيقة الخلافة تقتضي أن يقوم الخليفة مقام المستخلف عنه بتحمّل ما كان يتصدى له وما يتوقّع منه ، فهو بدلٌ عنه ، به يملأ خلأ فقدانه ، لهذا فإنّ بدلية الخليفة عن المستخلف عنه وقيامه مقامه تستوجب تناسباً خاصّاً بينهما ، تدور الخلافة مداره وجوداً وعدماً ، فلا يُستخلف الشمس إلاّ بالقمر الذي بنوره يسدّ خلأ ضيائها ، ولا تكون الظلمة خليفة للنور ، ولا الجاهل بدلاً عن العالم ، ولا الفاقد قائماً مقام الواجد .

وعندما تحصل غيبة أو فقد لمن يكون في الذروة العليا من الحكمة النظرية والعملية ، يقوم مقامه من يتلوه في الحكمتين ، لا من يكون فاقداً لهما ، ولا من هو في المراتب النازلة منهما .

الثاني : لابدّ أن يتأمّل في أنّ المستخلف عنه ، وهو الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)من هو ؟ وما هو الذي يترقّب منه بالنسبة إلى الأمّة ؟

إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الإنسان الكامل الذي فاق النبيّين والمرسلين في جميع ما أعطاهم الله من الكمالات العلمية والعملية ، والآيات التدوينية والتكوينية .

والغرض من بعثته خروج استعداد نوع الإنسان للكمالات الممكنة له من القوّة إلى الفعل ـ حتّى يبلغ من الفضائل إلى مقامات يغبطه بها الملأ الأعلى ، ويباهي الله به ملائكة السماء ـ وإحقاق الحق فيعطي كلّ ذي حقّ حقّه وإقامة الناس بالقسط بما أنزل إليه من الكتاب والميزان (قَدْ جَاءَكُم مِّن اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم)(۲۳) ، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(۲۴) .

الثالث : خليفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لابدّ أن يكون هو المَثل الأعلى لشخصيته علماً وخُلقاً وعملاً ، لكي يسدّ خلأ وجوده في تعليم الإنسان وتربيته، وتلاوة آيات الله عليه ، وإرشاد الناس إلى تنزيلها وتأويلها ، وظاهرها وباطنها ، ومحكمها ومتشابهها ، وعامّها وخاصّها ، وناسخها ومنسوخها ، وبيان أسرارها المكنونة ، وجواهرها المخزونة في الحروف المقطّعة في أوائل سورها .

وبكلمة واحدة لابدّ أن يكون عنده علم الكتاب، الذي فيه تفصيل كلّ شيء (مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْء)(۲۵) ، وأن يتكفّل تزكية الناس من الوساوس الشيطانية والأهواء النفسانية والرذائل الخُلقية والعملية ، حتّى تستعدّ عقولهم بالتصفية من تلك الكدورات لإشراق أنوار الكتاب الذي لا يناله إلاّ المطهّرون ، وتصير نفوسهم خزائن لجواهر الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء .

فإذا كان الخليفة قائماً مقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ينتظر منه ويترقّب من وجوده لتعليم الأمّة وتربيتها، فقد تحقّق الغرض من خاتمية الرسالة وأبدية الشريعة ، وتحقّقت الغاية من البعثة (هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الاُْمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)(۲۶) .

فالنبوّة وإن انتهت ببعثته(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ الغرض منها وهو تزكية الأمّة وتعليم الكتاب والحكمة باق إلى يوم القيامة ، ولا يمكن حصوله إلاّ بمن يقوم مقام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يقتضيه مفهوم الخلافة .

الرابع : من هو مصداق خليفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعده؟ هل هو عليّ أو غيره؟

فإن كان عليّاً(عليه السلام) فهو الذي تجلّى فيه فضائل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بحيث يراه من رآه بعين الإنصاف أنه المرآة التامّة للرسول الأعظم، ونقتصر من تلك الفضائل على بعضها:

فهو الذي قام الإجماع والسنّة على أنه وارث علم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

امّا الإجماع، فقد ادّعى الحاكم في المستدرك الإجماع على إثبات ذلك لعليّ، والنفي عن غيره(۲۷) .

وأمّا السنّة فنقتصر منها على قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»(۲۸) ، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنا دار الحكمة وعليّ بابها»(۲۹) .

أمّا حديث أنا مدينة العلم فمن حيث السند غني عن التصحيح ، فلو لم نقل بتواتره لفظاً أو معنىً ، فهو متواتر إجمالاً .

وأمّا من حيث الدلالة فهو يدلّ على أنه باب مدينة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليس لأحد كائناً من كان أن يأتي هذه المدينة إلاّ من هذا الباب .

فبنطقه تنفتح مدينة علم الخاتم على أهل العالم ، وبسكوته تنغلق .

وأمّا العلم الذي يكون النبيّ مدينته وعلي بابه، فهو الذي استحقّ به آدم خلافة الله في الأرض ، كما قال سبحانه : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الاَْرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ* وَعَلَّمَ آدَمَ الاَْسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمِاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)(۳۰) ، وقد علّم الله الخاتم جميع ما علّمه لآدم ومن دونه من النبيّين مضافاً إلى ما خصّه به ، كما هو مقتضى الخاتمية ، قال سبحانه وتعالى في شأن ما علّمه لكليمه : (وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الاَْلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَىْء)(۳۱) وفي شأن ما علّمه لحبيبه : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْء)(۳۲) .

وأمّا حديث أنا دار الحكمة (أو مدينة الحكمة) وعلي بابها ، فقد رواه جمع من أصحاب الحديث ، على ما تقدّم.(۳۳)

ودلالته واضحة على أنّ الدار لا تؤتى إلاّ من بابها ، والحكمة التي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مدينتها وعليّ(عليه السلام)بابها ، هي التي عدّها سبحانه وتعالى خيراً كثيراً خصّ الله بها من يشاء ، بينما عدّ متاع الحياة الدُّنيا التي زيّن سماءها بزينة الكواكب مع شموسها وأقمارها ونجومها ومجرّاتها التي تحيّر العقول في عظمتها قليلاً ، قال سبحانه وتعالى : (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)(۳۴) ، وقال سبحانه وتعالى : (يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْراً كَثِيراً)(۳۵) .

وهذه الحكمة هي التي مبدؤها العليّ العظيم ، ومجليها القرآن العظيم (الر كِتَبٌ أُحْكِمَتْ آيَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيم خَبِير)(۳۶).

فمن أراد هذه الحكمة التي هي ضالّة كلّ مؤمن(۳۷) وطلبة كلّ إنسان، فلايمكنه أن ينالها إلاّ من طريق علىّ(عليه السلام) .

وغير خفيّ على أهل النظر أنّ عظمة علم النبيّ وحكمته(صلى الله عليه وآله وسلم) فوق أن تدركها العقول ، فإنه الإنسان الكامل على الإطلاق ، ومقتضى البرهان صيرورة ما في نوع الإنسان من الإستعداد للكمال العلمي والعملي فعلياً في الفرد الكامل الذي لا أكمل منه ، وقد قال الله سبحانه : (وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(۳۸).

فما عدّه العلي العظيم الذي لا حدّ لعظمته عظيماً، يكون أعظم من أن تصل إلى مبلغ عظمته الأفهام ، وعليّ باب هذا العلم والحكمة ، وبكلمة واحدة: باب علم الخاتم هو باب علم العالم !

وقد اتّفق الفريقان على أنه قال : (سلوني قبل أن تفقدوني)(۳۹) ، وعدم تحديده لما يسأل عنه بحدّ يكشف أنّ المتكلّم بهذا الكلام باب العلم الذي يمدّه من لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة .

هذه منزلته في العلم والحكمة ، وقد اعترف به المؤالف والمخالف ، قال معاوية لابن عبّاس : فما تقول في عليّ بن أبي طالب؟ قال : رحم الله أبا الحسن كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحل الحجى ، وطود النُّهى ، ونور السرى في ظلم الدجى ، وداعياً إلى المحجّة العظمى ، عالماً بما في الصحف الأولى ، وقائماً بالتأويل والذكرى، متعلّقاً بأسباب الهدى ، وتاركاً للجور والأذى ، وحائداً عن طرقات الردى ، وخير من آمن واتّقى ، وسيّد من تقمّص وارتدى ، وأفضل من حجّ وسعى ، وأسمح من عدل وسوّى ، إلى آخر ما قال»(۴۰) .

وقالت عائشة : عليّ أعلم الناس بالسنّة(۴۱) .

وقال عمر بن الخطّاب : أعوذ بالله من كل معضلة وليس لها أبو حسن(۴۲) ، وقد اعترف بنجاته من الهلكات في المعضلات بعلم عليّ(عليه السلام) .

وقال معاوية : ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب ، فقال له أخوه عتبة : لا يسمع هذا منك أهل الشام . فقال له : دعني عنك(۴۳) .

وبعد نصّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قال الله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)(۴۴)، وإجماع الأُمّة، والإعتراف حتّى من أشدّ الخصام الذي أعدّ ما استطاع لإطفاء نوره ومحو مناقبه، لا يبقى ريب في أنه(عليه السلام) هو البدر التام الذي يستخلف شمس سماء النبوّة، ويقوم مقام الرسول في إشراق أنوار الكتاب والحكمة، وينوب منابه في الهداية والإمامة، (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ)(۴۵)

**

الحكومة العلويّة

وأمّا الحكومة العلوية المتشكّلة من الأركان الثلاثة ، وهي الوالي والقاضي والعمّال المستعملين لتمشية الأمور، فقد قامت على الأصول التي بها تتحقّق المدينة الفاضلة بأرقى ما يتصوّر من صورها، التي تكون ضامنة لسعادة الأمّة المادّية والمعنوية ، نذكر قليلاً ممّا اعتبره (عليه السلام) في ولاية أمور الأمّة مع الإغماض عن شرحها على ما ينبغي، فإن كل جملة منها باب ينفتح منه أبواب لأصحاب الحكمة العملية في السياسة المدنية والنفسية للإنسان الذي يحتاج في حياته إلى إعطاء كلّ قوّة من قواه الشهوية والغضبية والعقلية حقّها ، حتّى تكون حياته حياة طيّبة في معاشه ومعاده .

فممّا اعتبره في الوالي ما قاله(عليه السلام) :

«ثمّ اعلم يا مالك أنّي وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك ، من عدل وجور ، وأنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنّما يستدلّ على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح ، فاملك هواك ، وشحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك ، فإنّ الشحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت ، وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة ، والمحبّة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم ، فإنّهم صنفان : إمّا أخٌ لك في الدين ، أو نظيرٌ لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاّك . . .»(۴۶) .

فقد نبّه(عليه السلام) بقوله : «قد جرت عليها دول قبلك . . .» إلى أنّ هذه الدولة كالدول الماضية ، ظلّ زائل لا بقاء له (وَتِلْكَ الاَْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)(۴۷) ، فكما تنظر إلى أعمالهم وتقضي في حقّهم بما صدر عنهم ، كذلك ينظر الناس إلى أمورك ، وما يجري على ألسنتهم ممّا يرون من أعمالك دليل على صلاحك وفسادك .

والولاة همّهم في ولايتهم أن يجمعوا المال والذخائر، وأحبّ الذخائر إلى الوالي في حكومته عليه السلام ، ذخيرة العمل الصالح .

*

وبيّن(عليه السلام) بقوله : «فاملك هواك» أنّ من لا يملك هوى نفسه لايستطيع أن يحكم بالحقّ، فإنّ اتباع الهوى يصدّ عن الحقّ، فلا بدّ أن يكون الوالي أشجع الرعية وأقدرهم ، وأنّ «أشجع الناس مَن غلب هواه»(۴۸) .

*

وبأمره(عليه السلام) بسخاء النفس ، بيّن أنّ الوالي ، لابدّ وأن لا يخرجه من الإنصاف من نفسه محبوب لنفسه ولا مكروه لها ، ولا يخرجه عن الإعتدال حبّ ولا بغض .

*

وبيّن(عليه السلام) بقوله : «وأشعر قلبك الرحمة للرعية» وبتعليله بأنّهم «صنفان إمّا أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» أنّ الوالي فوق الرعية ، فكما أنّ الله الذي هو فوقه وفوق من ولاّه يرى الزلل والعلل ، ولا يمسك عن الرحمة والإحسان ، فلابدّ أن لا يصير تفوّق الوالي موجباً لعدم الإغماض عن زلاّت الرعية .

فكما ينتظر الوالي العفو من الله سبحانه والرحمة ـ مع ما يرى من نفسه من الزلل والعلل ـ كذلك عليه أن يعامل الرعية ـ مع ما يصدر منهم عمداً أو خطأً ـ بالعفو والصفح والمحبّة والإحسان ، وأن تعمّ رحمته وإحسانه كلّ من كان نظيره في الخلق وإن خالفه في الدين .

فالحكومة العلوية ظهور الرحمة الرحمانية الإلهية على المسلم والكافر ، والبرّ والفاجر ، وبها تتجلّى شمس الرسالة الخاتمة التي هي رحمة للعالمين .

*

وعلى الوالي أن لا يرى نفسه آمراً لابدّ أن يطاع، فإنّ من رأى لنفسه حقّ الطاعة المطلقة إلا من عصمه الله جرّه ذلك إلى الشقاء كما قال(عليه السلام) : «ولا تقولن إنّي مؤمرّ آمر فأُطاع ، فإنّ ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين ، وتقرّب من الغير ] الفتن فتعوّذ بالله من درك الشقاء [ .»

ولا ريب أنّ آفة عقل الوالي التكبّر الذي يحدث من سلطانه وملكه، فلا بدّله عند ما حدث له أبهة أن يكون ناظراً الى عظم ملك الذّي وسع كرسيّه السموات والأرض وقدرة القاهر على عباده الذّي بيده ناصية كلّ شيء ، وجبروت الذّي بيده ملكوت كلّ شيء، فقال عليه السلام:

«وإذا حدث لك ما أنت فيه من سلطانك أُبّهة أو مخيّلة ، فانظر إلى عِظم ملك الله فوقك ، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك ، ويكفّ عنك من غربك ، ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك . وإيّاك ومساماة الله في عظمته ، والتشبّه به في جبروته ، فإنّ الله يذلّ كلّ جبّار ، ويهين كلّ مختال ] فخور [» .

*

وقال(عليه السلام) : «وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ ، وأعمّها في العدل ، وأجمعها لرضى الرعية» فإنّ الأوسط في الحقّ هو أصل الحكمة في مقام النظر ، والأعمّ في العدل هو فرع الحكمة في العمل ، والشجرة التي يكون الأوسط في الحقّ أصلها، والأعمّ في العدل فرعها، تكون ثمرتها سعادة الفرد والمجتمع ، ورضى الرعية.

*

ولابدّ أن يكون الوالي ساتراً لعيوب أفراد الرعية ، وحلاّلاً لعقد الأحقاد ، قابلاً لعذر من اعتذر إليه ، دارِءًا للحدود بالشبهات ، ونعوذ بالله أن يكون آخذاً بالتهم ، وهاتكاً للأعراض بالتوهّمات .

كما قال(عليه السلام) : «وليكن أبعد رعيّتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس ، فإنّ في الناس عيوباً ، الوالي أحقّ من سترها ، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها ، فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك ، والله يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحبّ ستره من رعيّتك ] و [ أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد ، واقطع عنك سبب كلّ وتر ، ] واقبل العذر ، وادرأ الحدود بالشبهات [ . . .» .

*

وأمّا خاصّة الوالي وأصحابه في خلوته وملئه ، فلابدّ أن يكون ممّن لم يعاون ظالماً على ظلمه ، ولا آثماً على إثمه ، ويكون أقربهم منه ، كما قال(عليه السلام) : «ثمّ ليكن آثرهم عندك ، أقولهم بمرّ الحقّ لك، ]وأحوطهم على الضعفاء بالإنصاف[ ، وأقلّهم مساعدة ]لك مناظرة[ فيما يكون منك ممّا كره الله لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع ، ]فإنّهم يقفونك على الحقّ ، ويبصرونك ما يعود عليك نفعه[.

والصق بأهل الورع والصدق ، ]وذوي العقول والأحساب[ ثمّ رضهم على ألاّ يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله ، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزهو ، وتدني من العزّة ، ]والإقرار بذلك يوجب المقت من الله[ . . .» .

وإذا كان الوالي متصفاً بما تقدم من الصفات وكانت خاصّته متّصفة بالعقل والحسب والورع والصدق وعدم معاونة على ظلم ولا على إثم، وكان أقربهم إلى الوالي أكثرهم قولاً بالحقّ الذي هو مرٌّ على سامعه ، وأكثرهم احتياطاً بالإنصاف على الضعفاء ، وقد عوّدهم الوالي على عدم إطرائه ومدحه ، كان أصل الحكومة وفروعها ومتنها وحواشيها خلاصة من العقل والحقّ والعدل والإنصاف والورع والصدق والرحمة والمحبّة والإحسان .

وبذلك تنتشر أنوار المكارم من المركز إلى المحيط بمقتضى تبعية العامّة لأصحاب القدرة والشوكة، وبذلك يتحقّق الغرض من إرسال الرسول وإنزال الكتاب : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(۴۹) .

هذه بعض ما اعتبره (عليه السلام) في الوالي ، ولا يتسع المجال لعرض تمام ما أفاض(عليه السلام)من صفات الوالي.

*

القاضي في الحكومة العلوية

إنّ إحقاق الحقوق ممّا يتوقّف عليه نظام الدين والدُّنيا ، كما قال(عليه السلام) : «فإنّ الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم ، والأخذ للضعيف من القوي ، وإقامة حدود الله على سنّتها، ومنهاجها ، ممّا يصلح عباد الله وبلاده» ، لذا اشترط(عليه السلام) في القاضي ما يتحقّق به الغرض من القضاء الذي هو من مناصب الأنبياء والأوصياء ، فقال(عليه السلام) : «ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ]وأنفسهم للعلم والحلم والورع والسخاء[ ، ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى في ]إثبات [الزلّة ، ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلّهم تبرّماً بمراجعة الخصم ]الخصوم[ ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ، ممّن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ]اغراق[ ، ]ولا يصغي للتبليغ ، فولّ قضاءك من كان كذلك ]وهم[ وأولئك قليل ، . . .» .

فإذا كان القاضي عالماً حليماً ورعاً سخيّاً، لا يؤثّر فيه تطميع ، ولا يتأثّر بتخويف ، متوقّفاً عند الشبهة ، قاطعاً للخصومة عند اتضاح الحكم ، لا يكتفي في الحكم إلاّ بأقصى مراتب الفهم لاستكشاف الحقّ ، وكان أصبرهم على كشف الأمر ، وإذا عرف الحقّ لا يصرفه عنه صارف بلغ ما بلغ ، فإن قضاء مثله يكون مصلحاً للعباد وعامراً للبلاد ، و هو ما أراد الله من الحكام من الحكم بالحقّ والعدل (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)(۵۰(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ )(۵۱).

*

العمّال وأعوان الوالي على تقلّد الأمور

قد وصفهم(عليه السلام) بقوله : ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختباراً ، ولا تولّهم محاباة وأثرة ، فإنّهما جماع من شعب الجور والخيانة ، ]وإدخال الضرورة على الناس ، وليست تصلح الأمور بالإدغال ، فاصطف لولاية أعمالك أهل العلم والورع والسياسة[ وتوخَّ منهم أهل التجربة والحياء ، من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدّمة ، فإنّهم أكرم أخلاقاً ، وأصحّ أعراضاً ، وأقلّ في المطامع إشراقاً ، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً ]من غيرهم ، فليكونوا أعوانك على ما تقلّدت[ . . .» .

وقد بيّن(عليه السلام) أنّ تولية الأمور في الحكومة العلوية لا تكون بالميل والهوى، بل بالإستحقاق والإختبار والإصطفاء، وعلى أساس الورع والعلم والسياسة والتجربة والحياء ، والنشأة في البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام .

فيدور تولّي الأمور مدار الكفاية والأمانة ، كما قال الله سبحانه : (اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الاَْرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(۵۲) ، وقال سبحانه : (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِىُّ الاَْمِينُ)(۵۳) .

والأمّة التي يتّصف واليها بتلك الأوصاف ، وقاضيها بتلك السمات ، وعاملها بهذه المزايا ، وتكون المراتب والمناصب فيها على أساس درجات العلم والإيمان والأمانة ، تكون خيرَ أمّة أخرجت للناس(۵۴) ، وإمامهم لا محالة يكون أفضلهم ، وعن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : «مَن أمَّ قوماً وفيهم مَن هو أعلم منه وأفقه لم يزل أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة»(۵۵) .

*

وقد اقتصرنا من هذا العهد على قليل من كثير ، ولم نستوف شرح لطائفه ودقائقه وحقائقه ، فإنه جامع لأبواب سياسة النفس والمدينة ، وتنظيم أمر طبقات الرعية ، من الجنود ، والكتّاب ، والقضاة، والعمّال، وأهل الجزية والخراج، والتجّار، وأهل الصناعات، وذوي الحاجة والمسكنة .

**

 
 
© دفتر مرجع عاليقدر شيعه حضرت آيت الله العظمى وحيد خراسانى - ١٣٨٦
UA-53396176-1